ابن فرحون

56

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )

وتعليق قناديله ، وأول من يسبق إلى المسجد من المصلين ، لزم أسطوانة المهاجرين حتى عرف بها ، وهي الأسطوانة الثالثة من أسطوان التوبة عند المحققين ، وكان إذا جاءت نوبته في الخدمة يضع الأطعمة الكثيرة ، والألوان الفاخرة ، ويدعو لطعامه من عرف ومن لم يعرف ، وكذلك كان يفعل جميعهم سوى أنهم يتفاضلون في السخاء والكرم وطيب النفس ، يريدون بذلك وجه اللّه تعالى « 1 » . وكان - رحمه اللّه - على أهل الدولة ، له عقدة لا تنحل ، وشفرة لا تنكل ، نفعنا اللّه به بعد وفاة والدنا في سبع سيده ، وذلك أن بعض أهل الشر بذل للأمير منصور في وظائف والدي مبلغا جيدا ، حتى تكون كلها له ويخرجنا منها ، فأرسل الأمير إلى شيخ الخدام ظهير الدين يعرفه بأنه قد حصل له في هذه الوظائف كذا وكذا ، فإن دفع أولاد المتوفّى هذا المبلغ ، وإلا أخذتها منهم للذي بذل إليّ « 2 » ذلك ، فعرض علينا الشيخ ذلك ، وقال : هل في حالكم شيء ولو ألف درهم ؟ فقلت له : واللّه لم يخلّف لنا والدنا دينارا ولا درهما واحدا ، غير نفقة من الحبّ أوصى بثلثها ، ودارا نسكنها ، وكتبا نقرأ فيها ، فإن كتب اللّه قسمته ، وإلا فهي رزية وبلية ، نرجو من اللّه العظيم كشفها والعوض عنها . فقام حينئذ شمس الدين المغيثي وصاح على الشيخ ، وقال : في مثل هذا تتهاون ، واللّه لا يصل هذا اللعين إلى وظيفتنا ، ولا يقرأ فيها أبدا إلا أن يفعل بي كذا وكذا ، فبلغ ذلك الأمير ، فلم يسمع من الذي سعى عليها بعد ذلك في حقنا كلمة ، ورد اللّه كيد ذلك الرجل في نحره ببركة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وببركة والدنا ،

--> ( 1 ) التحفة اللطيفة 2 / 247 نقلا عن ابن فرحون . ( 2 ) في المطبوع ( لي ) والمثبت من الأصل .